التعليم كما تحلم به
جاري تحميل الخريطة...
إصدار علمي جديد للباحث فكري الرعدي عن دار مؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، صدر كتاب "الصراع في القرن الأفريقي وانعكاساته على اليمن والمنطقة العربية" للباحث اليمني في تاريخ أفريقيا… فكري عبده قاسم الرعـدي. يقع الكتاب في مجلدين يضما 1440 صفحة من القطع الكبير. هذا الكتاب يتضمن دراسة علمية اشتملت على مناقشة أسباب وجذور الصراعات التي عصفت بمنطقة القرن الأفريقي واليمن، وتتبعت تطورات تلك الصراعات، وبينت النتائج المترتبة عليها. وأوضحت الآثار التي تركتها تلك الصراعات على اليمن، بالإضافة إلى مناقشة المواقف المحلية والعربية والإقليمية والدولية إزاء كل تلك الصراعات. وفي ثنايا الدراسة مناقشة لتطورات الأحداث في المنطقة الاستراتيجية في العالم حيث تتقاطع قضايا الإرهاب والقرصنة والملاحة العالمية وإرهاب الدولة وشركات الأمن الخاصة والاستثمارات المالية والأطماع الإقليمية والعالمية والتي جعلت من إعادة قراءة تاريخ المنطقة ضرورة ملحة لفهم التصاعد الكبير في الصراعات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي اليوم. لم يكتف الباحث بالدراسة المعمقة للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عانتها منطقة القرن الأفريقي في النصف الثاني من القرن العشرين والعقد الأول ومشارف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بل حلل توجهات الأوضاع الناشئة، وقدم جملة من النتائج والتوصيات. وتضمن الكتاب مجموعة قيمة من الملاحق شملت أهم الوثائق والخرائط والنصوص الدستورية والقانونية التي استند إليها المؤلف في بحثه. كما تضمن الكتاب عددا كبيرا من الحواشي والإضافات لتأصيل المصطلحات والحركات السياسية والتعريف بالشخصيات المذكورة في بحثه. أشار المؤلف في مقدمة كتابه إلى أن منطقة القرن الأفريقي مرشحة اليوم لانفجار برميل البارود الذي اختزنته منذ عقود في ضوء التوتر الشديد بين إثيوبيا والحكومة الفيدرالية الصومالية الناجم عن توقيع الحكومة الإثيوبية مذكرة تفاهم مع حكومة إقليم أرض الصومال في الفاتح من يناير 2024، والتي نصت على منح إثيوبيا إمكانية الوصول إلى البحر عبر استئجار 20 كم من ساحل أرض الصومال لمدة 50 عاماً، تقيم عليه منفذاً وقاعدة بحرية، على أن تعترف إثيوبيا بأرض الصومال دولة مستقلة في الوقت المناسب، وتمنحها عدداً من أسهم شركة الطيران الإثيوبية التي تديرها الدولة. وتسببت تلك المذكرة بإثارة غضب مقديشو التي عدتها باطلة ومتجاوزة للسيادة الصومالية. أوضح المؤلف أن الكتاب يقدم صورة متكاملة إلى حد كبير عن مشكلات القرن الأفريقي باعتبارها إحدى أهم بؤر الصراع في التاريخ الحديث والمعاصر، راجياً أن يمثل زاداً معرفياً متميزاً في حقل الدراسات التاريخية. تضمن الفصل الأول ثلاثة مباحث رئيسية؛ تطرق المؤلف في أولها إلى معطيات الجغرافيا وحقائق التاريخ الخاصة بدول منطقة القرن الأفريقي. أما في المبحث الثاني فتحدث المؤلف عن اليمن بدءاً من زمن العربية السعيدة إلى زمن دولة الوحدة. وفي المبحث الثالث قدم المؤلف رؤية تاريخية للعلاقات بين اليمن ومنطقة القرن الأفريقي منذ القدم وحتى اليوم، وخلاصتها أن هذه العلاقات ستبقى سرمدية تفرض حتمية التكامل، وأن ما يدور في منطقة القرن الأفريقي يٌلقي بظلاله وتبعاته على اليمن ومن ثم على الأمن القومي العربي برمته. في الفصل الثاني؛ ناقش المؤلف أسباب الصراعات في منطقة القرن الأفريقي وقد شملت؛ الصراع الحدودي، وصراع القوى الدولية، والطموحات الوطنية، بالإضافة إلى سمات النظام السياسي لكل دولة من دول المنطقة. وكان الصراع الإثيوبي الصومالي محور البحث في الفصل الثالث؛ إذ أوضح المؤلف خلفيات الصراع، وتناول بالسرد والتحليل وقائع الصراع وتطوراته التي كان أبرزها اشتعال نيران الصراع الصومالي الداخلي لعقود مضنية وما يزال مستمراً بأشكال جديدة حتى اليوم. كما بيّنَ مواقف القوى العربية والإقليمية والعالمية من الصراع، وحدد نتائجه المفزعة، وتتبع آثار الصراع على اليمن والوطن العربي. أما الفصل الرابع فقد خصصه المؤلف لتدوين تاريخ الصراع الإثيوبي الإرتري بدءاً من جذوره المتمثلة بالسياسة الإثيوبية التوسعية مروراًِ بوقائعه الدموية وانتهاءً بنتائجه التي يمكن وصفها بالمرعبة عدا نيل إرتريا استقلالها الوطني. كما رسم المؤلف ملامح المواقف الإقليمية والعالمية التي سجلها التاريخ إبان فترة الصراع، وأوضح التداعيات الخطيرة التي ترتبت على ذلك الصراع الطويل على اليمن والأمن القومي العربي. في خامس فصول الكتاب؛ بحث المؤلف في مقدمات الصراع الداخلي الذي شهدته جمهورية جيبوتي منذ ما قبل تأسيسها، وقدٌم وصفاً دقيقاً لمجريات الصراع، وبيّنَ النتائج الكارثية لذلك الصراع التي بلغت حداً غير مسبوقا؛ إذ أعلن رئيس الجمهورية فراغاً مطلقاً لخزينة بلده بعد إنفاق ثمانية مليارات فرنك جيبوتية على الحرب في عامي 1992 و1993. وفي مبحثين مستقلين؛ رسم المؤلف صورة شاملة لأبرز مواقف الدول والمنظمات العربية والاقليمية والعالمية من صراع جيبوتي، وتتبع آثاره على اليمن والوطن العربي. أما الفصل السادس والأخير فقد خصصه المؤلف لمناقشة وقائع الصراع اليمني الإرتري، إذ قدم رؤية للتاريخ البحري اليمني والصعوبات التي تواجه دارسيه، ثم ناقش وقائع الصراع الناتج عن احتلال الجيش الإرتري لجزيرة حنيش اليمنية في العام 1995، وتتبع المواقف العربية والعالمية من الصراع، وأوضح النتائج المترتبة على الصراع والتي كان أهمها عودة الجزر اليمنية عبر التحكيم الدولي. كما بيّن المؤلف آثار الصراع على اليمن ومنطقة البحر الأحمر باعتبارها لبنة أساسية في جغرافية الأمن القومي العربي. في خاتمة الكتاب أورد المؤلف العديد من النتائج التي توصل إليها ورسم ملامح اتجاهات الأحداث مؤكدا أن المنطقة ستظل رهينة الصراعات العنيفة ما لم تحل مشاريع التنمية محل مشاريع المؤامرات والهيمنة . وقد أوضح المؤلف أن أبرز نتائج صراعات القرن الأفريقي تمثلت في ديمومة الصراعات بأشكال وذرائع متعددة حتى اليوم، وبلغة الأرقام والوثائق أثبت فداحة الكلفتين الإنسانية والاقتصادية للصراعات. كما قدّمَ المؤلف عدداً من التوصيات المهمة وفي مقدمتها؛ دعوة دول القرن الأفريقي إلى البحث الجاد عن السبل الكفيلة بإقامة اتحاد كونفدرالي فيما بينها باعتباره أفضل الحلول لمختلف المشكلات الحدودية والاقتصادية، بالإضافة إلى ضرورة تحقيق التكامل الدفاعي العربي لحماية المصالح العربية في البحر الأحمر والحد من التدخل الأجنبي السلبي في شؤون المنطقة. إجمالاً؛ يستمد الكتاب أهميته من عدة اعتبارات؛ أولها، أنه يسد نقصاً في المكتبة الأكاديمية العربية التي تفتقر إلى رؤية جامعة للصراعات في منطقة القرن الأفريقي. ثانيها، الزخم المعلوماتي، إذ تناول المؤلف الأبعاد المختلفة لصراعات القرن الأفريقي وتداعياتها على الوطن العربي خصوصاً عند بوابته الجنوبية التي تزداد أهميتها الجيوستراتيجية اليوم في ضوء الحروب التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، وهذا يُمثل بدوره أهمية بالغة للباحثين وصناع القرار والمهتمين بالشأن الأفريقي وشؤون الأمن القومي العربي على حد سواء، ويفتح الباب أمام مزيد من الدراسات البحثية في هذا السياق.